قصص أمهات

زارني الحزن كثيراً.. إلى أن اكتشفت معنى السعادة مع طفلي

تموز 03 , 2020

بقلم أم لثلاثة أطفال

"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"

وأنا لم أكن أعرف أنه كان في وسعي أن أحتمل كل هذا.. لكنني فعلت بفضل الله!

لقد صبرت كثيراً حتى رأيت حكمة الله وهداياه التي قبلتها بحب وامتنان.. وعلمتني الحياة أن أنظر إليها بعين الرضا لأنال سعادتها..

بدأت قصتي وأنا في عمر الثانية عشرة، تحديداً في يوم من أيام عيد الأضحى من شهر آذار.. هذا الشهر الذي كان دائماً يترك ذكرى أليمة في حياتي..

كان والدي على باب البيت يهم بالذهاب إلى المشفى ليلتفت إلينا ويقول لإخوتي: "أوصيكم بأختكم!"، وكانت هذه أخر كلمات سمعتها منه.  

نعم رحل والدي.. لكن الله عوضني بعائلتي وأعمامي وأخوالي الذين غمروني بعطفهم ورعايتهم وتوجيههم بحمد الله، فكبرت في جو من الحب والطمأنينة.

الصدمة الثانية، الأصعب في حياتي كلها..

لكن بعد ذلك بخمس سنوات، وبينما أنا أقدم امتحانات الثانوية العامة النهائية، تعبت والدتي كثيراً ونقلناها إلى العناية المركزة، وفي كل مرة كنت أزورها هناك كانت تسألني عن موعد انتهاء امتحاناتي، فكنت أجيبها بكل صراحة دون أن أعرف سبب إلحاحها بالسؤال.

ليتبين لي لاحقاً أنها كانت تنتظرني، فمع نهاية آخر امتحان لي تلفظت والدتي أنفاسها الأخيرة..

كانت هذه أكبر صدمة في عمري كله.. تمنيت لو أنني لم أجبها على أسئلتها لتنتظر أكثر.. لتبقى على قيد الحياة..

كنت قد رسمت في مخيلتي أن الأمهات لا يمتن.. أو على الأقل أمي أنا! صرت وحيدة فكل إخوتي وأخواتي متزوجون.. يالوحشتي ووحشة منزلنا بعدك يا أمي!

دخلت الجامعة واجتهدت في دراستي، لكنني لا أنكر أنها كانت من أقسى أيام حياتي وأكثرها تعاسة، فأنا إلى الآن لا أحب أن أذكر منها شيئاً وبالذات عندما كان يحل علي يوم الأم وأنا رهينة وحشتي واشتياقي لحضن أمي..

وشعوري هذا لم يتغير إلى الآن مع كل عام حين يجيء يوم الأم.. والذي هو أيضاً في شهر آذار!

فعلي أنا أن أتذكر يتمي في هذه المناسبة التي يحتفل فيها غيري بوجود أمهاتهم دون أي مراعاة لأوجاع الأيتام وأولئك الذين لم يرزقهم الله الأبناء.. نعم لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لي تماماً كصعوبة الفقد ومرارته..

وبعد 5 سنوات، جاء زوجي وفارسي على حصانه الأبيض وأخذني معه، كان وما زال أجمل عوض لي من رب العالمين، على أن الأم والأب لا يمكن أن يعوضهما شيء في هذه الدنيا.

عشت معه حياة جميلة هانئة، رزقنا الله في البداية بطفلة جميلة ثم تبعها أخوها الصغير، كانت عائلتي كل حياتي..

إلى أن جاء آذار مرة أخرى ليحل ضيفاً ثقيلاً على نفسي..

ففي يوم من أيامه.. شعرت بشي غريب في جسمي (تحديداً في الثدي)، ولا أدري لماذا انتابني هاجس غريب بأن علي ألا أهمل الأمر وأن أراجع الطبيب في أسرع وقت، لأن والدتي كانت قد عاشت أمراً مماثلاً وأنا أذكر هذا جيداً!

طمأنني الأطباء أنها مجرد ألياف، لكن بما أن هناك تاريخ عائلي لدينا فيفضل أن أستأصلها.

وبالفعل، أجريت العملية بسرعة، وكغيرها من العمليات ذهبت بعدها مع زوجي إلى الطبيبة كمراجعة روتينية، لأجد أفراداً من عائلتي ينتظرونني هناك!!

استغربت من وجودهم جميعاً، ما الذي يفعلونه هناك!

إلى أن بدأت الطبيبة بالحديث: "الكتلة لم تكن مجرد ألياف، لقد تبين أنها خلايا وأورام خبيثة".

قلت لها: "وماذا يعني هذا".

قالت: "يعني أنك مصابة بالسرطان".

عندها لم تخرج من فمي سوى كلمة واحد وهي "الحمد لله".

هيأت نفسي واستجمعت كامل قوتي، قمت بعملية ثانية ومن بعدها 6 جلسات كيماوي و25 جلسة إشعاعي.

أول جرعة كيماوي كانت الأصعب، كنت كمن رأت الموت بأم عينها ثم عادت إلى الحياة، كل شي في جسمي كان يؤلمني.. كل خلية كانت تصرخ.. حتى أنني استخفيت أي ألم بعدها..

وقبل الجرعة الثانية بيومين بدأ شعري يتساقط.. شعري الذي أحبه كثيراً! رأيته يتساقط في كل مكان أذهب إليه في المنزل، إلى أن استجمعت نفسي وأخذت ماكينة الحلاقة وذهبت إلى الحمام وحلقته كاملاً بيدي الاثنتين.. كان شعوراً صعباً ومؤلماً لم أحسب يوماً أنني سأمر بمثله!

لكنني صرت أقوى.. صورت نفسي وبعثت بالصورة لأهلي.. وقلت لهم: "أنا الآن قوية وراح أكمل"

طوال فترة علاجي لم أفكر إلا بطفليَّ.. لأنني إذا فارقت الحياة فإن الجميع سيحزن علي قليلاً لكن سرعان ما ينسون، أما طفلي فلا! خفت أن أورثهما حسرة فقد والدتهما كما حدث لي.. لذلك صارعت المرض حتى آخر رمق..

لم يعلم بمرضي إلا فئة قليلة من أهلي والمقربون من أهل زوجي، ذلك أنني كنت أضع أمام الناس فلم اكن أريد لأحد أن ينظر إلي نظرة شفقة أو عطف، كنت أريد من يقويني لا من يضعفني..

كنت كلما رأيت إخوتي يبكون لأجلي أغادر مجلسهم على الفور، وعندما تجيء أخواتي لمساعدتي في المنزل بعد جلسة الكيماوي لا أسمح لهن بالطبخ أو عمل أي شيء برغم احتجاجاتهن.. كنت أقول لهم: "طالما أنني على قيد الحياة فأنا من ستطبخ لأطفالي".

نجوت بحمد الله من المرض وانقضت هذه الأيام الصعبة القاسية.. لكنني لم أكن أعلم أن الله يهيئني للمعركة الأشرس!

فبعد عامين من شفائي اكتشفت أنني حامل، كانت مفاجأة للجميع كون العلاج الكيماوي قد أرهق جسدي وأثر على صحتي، وكانت فكرة الحمل والإنجاب بعده صعبة بعض الشيء.

كنت سعيدة جداً بحملي.. فهذا عوض من الله جواء صبري واحتمالي..

استعديت كثيراً لهذا الحمل.. اشتريت كل احتياجات المولود الجديد، وقمت بكل ما يمكن القيام به، لم أدخر جهداً أبداً!

وبحمد لله أنجبت طفلاً جميلاً أحببته من كل قلبي.. كان الملاك الذي منحني إياه الله بعد طول وجعي ومعاناتي..

لكن، بعد عشرة أيام جاءني الخبر الصادم!

كان ذلك في شهر آذار أيضاً، الشهر الذي يقسو علي دائماً!

اجتمع في منزلي إخوتي وعمي، كان الجو بارداً في ذلك اليوم والسماء تمطر بغزارة.. برق ورعد ومطر وخوف كأن الدنيا كلها قد بكت لأجلي.. لن أنسى ذلك اليوم القاسي ما حييت!

بدأ أخي بالحديث: "يجب أن نبلغك أمراً، طفلك لديه مشكلة صغيرة!"

فقلت: "ماذا!! أي مشكلة ها هو أمامي لا يعاني من شيء، ما الذي تقوله؟!"

حاولوا التمهيد للأمر بشتى الطرق لإفهامي، حتى قال لي زوجي: "طفلنا يعاني من متلازمة داون"

أذكر أن صوت صراخي قد علا على صوت الرعد، بكيت بعدد قطرات المطر الساقط ذلك اليوم.. كانت صدمتي لا توصف..

طفلي الذي انتظرته 9 شهور وأنا أحلم بشكله وملامحه كل يوم.. فهو ثمرة الصبر الطويل الأليم!

كيف يحدث هذا.. قضيت تلك الليلة وأنا أتفحص طفلي فتارة أحمد الله وتارة أقول لماذا أنا؟! لماذا؟!

للأسف، مضى أول شهرين وأنا على هذا الحال، وفي يوم كنت جالسة فيه على سجادة الصلاة، جاءني طفلي الأكبر ذو الست سنوات، وقال لي: "ماما، أنا وانت وبابا وأختي كلنا رح ندخل النار بس الله بعتلنا أخوي مشان يدخلنا على الجنة".

رفعت رأسي ونظرت إليه.. شعرت أنني أنا من تبلغ من العمر 6 سنوات لا هو.. طفل صغير أيقظني وأنار لي بصيرتي بكلامه الكبير..

ومن يومها وأنا أتخذ من كلام طفلي دستوراً أسير وفقه في تعاملي مع صغيرنا الجديد.. نعم، هذا الطفل هو زائر من عند الله علي أن أحسن ضيافته وأكرمه لأنال الجنة..

بدأت أنظر إلى الأمور بإيجابية، ثقفت نفسي عن حالة طفلي والتي لم أكن أعلم عنها إلا الشيء السلبي..

وجدت أن المجتمع يظلمهم كثيراً، فهم أشخاص طيبون محبون ولطيفون، والغش والخداع ليس في قاموسهم..

بدأت بالتدخل المبكر مع صغيري.. وبحمد الله رأيت نتائجه، لا يمكنكم أن تتخيلوا حجم سعادتي كلما رأيت حركة جديدة منه، كان قلبي يرقص من الفرح وكأنه إنجازي الخاص.. هو طفل جميل جداً.. أحبه.. أحبه.. وكل يوم يزداد حبه في قلبي وأشعر بالفخر كلما تحدثت عنه!

والآن صرت أشعر أن صغيري هو فعلاً عوض الله لي وجزاء صبري.. لذلك قررت أن أفني عمري لأجل أن أراه بطلاً حقيقياً.. وهو ما سيكونه بإذن الله!

والجميل أيضاً أنني قد تصالحت مع شهر آذار.. فصغيري الجميل ولد فيه، وتاريخ 21/3 الذي كان كابوساً بالنسبة لي، صار قضيتي التي سأحملها على عاتقي أينما ذهبت فهو اليوم العالمي لمتلازمة داون.

لكل أم..

رسالتي لكل من تمر أو مرت بمثل تجربتي.. لا تحزني ولا تبتئسي فكل شيء يأتي من الله هو خير حتى لو بدا في ظاهره عكس ذلك!

ولا تخجلي من أي ابتلاء يصيبك فكلنا مبتلون ولا يستثنى أحد، وإنما يكون المؤمن أشد بلوة من غيره. قاتلي في معركتك وستنتصرين بالصبر والبلاء الجيد بإذن الله.

والاختلاف لم يكن يوماً عيباً نخجل منه بل هو تميز وتفرد، لذا فأنا أوجه رسالة أخرى لكل الأهالي والمربين، أن علموا أطفالكم أن يتقبلوا ويحترموا المختلف عنهم سواء بالشكل أو اللون أو حتى كروموسومٍ واحد!

لا أحد منا يختار شكله أو لونه لكننا نستطيع اختيار أفكارنا ومبادئنا.
 

*لم يتم ذكر اسم الأم بناءً على رغبتها.